الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

292

نفحات الولاية

طائفة ظالمة طيلة التاريخ معروفة بانحرافها عن الإسلام . على كل حال قال الإمام عليه السلام : « فما احلولت « 1 » لكم الدنيا في لذتها ، ولا تمكنتم من رضاع اخلافها « 2 » إلّامن بعد ما صادقتموها جائلا « 3 » خطامها ، « 4 » قلقا « 5 » وضينها « 6 » » . المراد أنّكم تكالبتم على لذات الدنيا وزخارفها في عهد عثمان وبعد الفتوحات الإسلامية والتطاول على بيت المال ، وهذا ماجعلكم تبتعدون عن الله ، فقد انهمك الحكام بجمع الثروات ، بينما انشغلت الامّة بدنياها ولذاتها . ومن هنا قال عليه السلام أنّ حرام الدنيا أصبح سهلًا يسيراً كالسدر الخالي من الشوك ، بينما أصبح الحلال بعيداً غائباً : « قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود ، وحلالها بعيداً غير موجود » ، فقد انهال البعض على بيت المال فنهب ما شاء ، ثم اتسعت هذه الأموال الحرام بين الناس . العبارة « السدر المخضود » إشارة إلى أن نهي الله وتحريمه كالشوك تجاه لذات الدنيا المحظورة ، أمّا الأفراد من عديمي الورع والتقوى فهم لايكترثون للنواهي الإلهية ، والحرام عندهم كالسدر المخضود ، وقد صرح أرباب اللغة أنّ شجرة السدر أنواع ، لبعضها ثمار شديدة الحلاوة فواحة العطر تفيض رائحته على يد الإنسان وثيابه إذا ما تناول منه . « 7 » نعم فأصحاب الدنيا يبتلعون الأموال الحرام وكأنّها ثمار لذيذة كالسدر المنضد الذي قطع شوكه ، ولا يلتفتون إلى أوامر الله ونواهيه ، وبالطبع فانّ الحرام إنّما ينتشرويعم مثل هذا الوسط فلا يبقى للحلال من مكان .

--> ( 1 ) « احلولت » أصبحت حلوة من مادة « حلو » . ( 2 ) « اخلاف » جمع « خلف » على وزن جلف حلمة ضرع الناقة . ( 3 ) « جائل » من مادة « جولان » تعني في الأصل إزالة الشئ من مكانة ، وتطلق على الحيوان الذي ينزل عنانه وينطلق أينما يشاء . ( 4 ) « خطام » ما يوضع في أنف البعير ليقاد به . ( 5 ) « قلق » من مادة « قلق » الاضطراب وتحريك الشيء . ( 6 ) « وضين » بطان عريض منسوج من سيور أو شعر يكون للرحل كالخرام للسرج . ( 7 ) لسان العرب ، مادة سدر .